الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

42

مناهل العرفان في علوم القرآن

فاللّه - جلّت حكمته - هو الذي أبرز ألفاظ القرآن وكلماته مرتبة على وفق ترتيب ذاته النفسية لأجل التفهيم والتفهّم ، كما نبرز نحن كلامنا اللفظي على وفق كلامنا النفسي لأجل التفهيم والتفهم ، ولا ينسب الكلام بجال إلا إلى من رتّبه في نفسه أولا ، دون من اقتصر على حكايته وقراءته ، ولذلك لا يجوز إضافة القرآن على سبيل الإنشاء إلى جبريل أو محمد ، ولا لغير جبريل ومحمد ، كما لا يجوز نسبة كلام أنشأه شخص ورتّبه في نفسه أولا إلى شخص آخر حكاه وقرأه حين اطّلع عليه أو سمعه . وقد أسفّ بعض الناس فزعم أن جبريل كان ينزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمعانى القرآن ، والرسول يعبر عنها بلغة العرب . وزعم آخرون أن اللفظ لجبريل وأن اللّه كان يوحى إليه المعنى فقط وكلاهما قول باطل أثيم ، مصادم لصريح الكتاب والسنة والإجماع ، ولا يساوى قيمة المداد الذي يكتب به . وعقيدتي أنه مدسوس على المسلمين في كتبهم . وإلا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا واللفظ لمحمد أو لجبريل ؟ ثم كيف تصح نسبته إلى اللّه واللفظ ليس للّه ؟ مع أن اللّه يقول : ( حتّى يسمع كلام اللّه ) ، إلى غير ذلك مما يطول بنا تفصيله . والحق أنه ليس لجبريل في هذا القرآن سوى حكايته للرسول وإيحائه إليه ، وليس للرسول صلّى اللّه عليه وسلم في هذا القرآن سوى وعيه وحفظه ، ثم حكايته وتبليغه ، ثم بيانه وتفسيره ، ثم تطبيقه وتنفيذه . نقرأ في القرآن نفسه أنه ليس من إنشاء جبريل ولا محمد نحو « وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ » . ونحو « وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها . قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي » . ونحو « وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ . قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » . ونحو « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ » .